مجموعة مؤلفين
187
إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول
اعلم أن جماعة كثيرة ممن يعتقد الشيخ رضي اللّه عنه يقول بكماله في قاله وحاله يعتقد أن الشيخ يقول بقدم العالم ، وجماعة كثيرة ممن ينكر على الشيخ ، اعتقدت أنه يقول أيضا بقدم العالم . والذي أقول به : أنه قد أخطأ الفريقان ، وأريد أن أنقل كلام الشيخ رضي اللّه عنه في ذلك أولا ، وأتتبعه ثانيا ، فمن ذلك ما قد تقدم نقله في المقدمة عنه رضي اللّه عنه من أنه لا يقول : بعلية الحق أي إيجابه بل بفاعليه يعني باختياره ، ومن يثبت الاختيار للّه تعالى فقد لزمه القول بحدوث أفعاله كما تقرر في علم الكلام ، وما يقال : من أن القصد إذا فرض قديما لا يلزم منه حدوث العالم ليس بجيد فتأمل ، وفيما نقلناه عنه في فصل « سلسلة الوسائط »
--> - حسّن نفسه ، فلم يبق إلا أن لها مصوّرا صورها ؛ طويلة ، وقبيحة ، وحسنة ، على حسب إرادته ومشيئته . ويدل على صحة ما ذكرناه : أن الموجودات لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها ، وإن وجدنا منها الموات والأعراض ، أعني الجمادات التي لا حياة فيها ، لا يجوز أن تكون فاعلة لنفسها ولا لغيرها ؛ لأن من شرط الفاعل أن يكون حيّا قادرا ، فبطل كونها محدثة لنفسها بل لها محدث أحدثها . ويدل على صحة ذلك أيضا : أنا وجدنا أنفس الموجودات في العالم الحيّ القادر العاقل المحصل وهو الآدمي ، ثم أكمل ما تكون ، تعلم وتحقق أنه كان في ابتداء أمره نطفة ميتة ، لا حياة فيها ولا قدرة ، ثم نقل إلي العلقة ، ثم إلى المضغة ، ثم من حال إلى حال ، ثم بعد خروجه حيا من الأحشاء إلى الدنيا ، تعلم وتحقق أنه كان في تلك الحالة جاهلا بنفسه وتكييفه ، وتركيبه ، ثم بعد كمال عقله وتصوره وحذقه وفهمه لا يقدر في حال كماله أن يحدث في بدنه شعرة لا شيئا ، ولا عرقا فكيف يكون محدثا لنفسه ومنقلا لها في حال نقصه من صورة إلى صورة ومن حالة إلى حالة وإذا بطل ذلك منه في حال كماله كان أولى أن يبطل ذلك منه في حال نقصه ، ولم يبق إلا أن له محدثا أحدثه ، ومصورا صوره ومنقلا نقله ؛ وهو اللّه سبحانه وتعالى ، انظر : الإنصاف ( ص 25 ) .